دليل المواقع
ساوند كلاود عربي
اختبارات شخصية - كشف تسربات المياه - شركة كشف تسربات المياه - شركة عوازل بالرياض - كشف تسربات المياه بالاحساء - شركة كشف تسربات المياه بالاحساء - شركة عوازل بالاحساء - كشف تسربات المياه بالدمام - شركة كشف تسربات المياه بالدمام
شركة عوازل بالدمام - كشف تسربات المياه بالقصيم - شركة كشف تسربات المياه بالقصيم - شركة عوازل بالقصيم - نظافة وغسيل خزانات - عزل اسطح وخزانات - عزل فوم - شركة عزل فوم

صفحة 1 من 5 123 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 5 من 23

الموضوع: فلسطين الحبيبة تاريخ وأحداث

  1. #1
    الصورة الرمزية عطر الياسمين
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    الدولة
    ♥ قلب أحلى شلة ♥
    العمر
    24
    المشاركات
    3,311
    معدل تقييم المستوى
    303

    فلسطين الحبيبة تاريخ وأحداث





    القدس في ضوء قرارات اللجان البريطانية والدولية
    1917 – 1947

    إعداد الدكتور محمد ماجد الجزماوي
    أستاذ مساعد – قسم التاريخ – جامعة الخليل – فلسطين

    بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، وإعلان الدولة العثمانية وقوفها إلى جانب ألمانيا، أخذت دول الحلفاء تتفق فيما بينها لتقاسم ممتلكات الدولة العثمانية، كما بدأت بريطانيا بالتفكير في السيطرة على فلسطين، مستغلة في ذلك الضعف العسكري للجيش العثماني، وحتى تتمكن أيضاً من تشتيت القوة العسكرية لألمانيا وإشغالها في عدة جبهات. وقد تمكن الجيش البريطاني بقيادة الجنرال أدموند اللنبي E. Alley من احتلال كافة الأراضي الفلسطينية خلال الفترة الممتدة من تشرين الأول 1917 حتى أيلول 1918، فقد احتل بئر السبع في 31 تشرين الأول 1917 وغزة في 9 تشرين الثاني 1917، ويافا في 16 تشرين الثاني 1917، والقدس في 9 كانون الأول 1917، أما القسم الشمالي من فلسطين فقد بقي تحت السيادة العثمانية حتى احتلت القوات العسكرية البريطانية نابلس في 20 تشرين الأول 1918، وحيفا وعكا في 23 تشرين الأول 1918 (1) وهكذا انتهى الحكم العثماني لفلسطين بعد حكم امتد أربعمائة سنة.
    وبنهاية عام 1918 وبانتهاء الحكم العثماني لفلسطين أصبحت البلاد تدار بإدارة عسكرية بريطانية أطلق عليها اسم "الإدارة الجنوبية لبلاد العدو المحتلة" واتخذت من مدينة القدس مقراً لها وعملت تحت سلطة حاكم إداري عام كان يتلقى أوامره من القائد العام الجنرال اللنبي، باعتباره المرجع الأعلى في المسائل الرئيسة، إذ أنه كان يعمل تحت إشراف وزارة الخارجية البريطانية التي كانت تنفذ التعليمات وأوامر ووزارة الخارجية (2) .
    وكانت الحكومة البريطانية قد تنكرت للوعود التي قطعتها للشريف حسين خلال مراسلات الحسين مكماهون (1915-1916) بشأن الاستقلال إذ قامت بإجراء مفاوضات سرية مع الحكومة الفرنسية حول مصير البلدان العربية التي كانت تحت الحكم العثماني، وتمخضت هذه المفاوضات عن التوقيع على اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 بين الحكومتين وبموجبها كانت العراق وشرق الأردن وسواحل الجزيرة العربية الشرقية الجنوبية من نصيب بريطانيا. بينما اختصت فرنسا بسورية ولبنان، أما فلسطين فقد نصت الاتفاقية على وضعها تحت إدارة خاصة وفقاً لاتفاقية تعقد بين روسيا وفرنسا وبريطانيا كما منحت الاتفاقية بريطانيا مينائي حيفا وعكا على أن يكون ميناء حيفا حراً لتجارة فرنسا ومستعمراتها (3) .
    أخذت الإدارة العسكرية تعمل على تهيئة فلسطين بشكل تدريجي حتى تصبح وطناً قومياً لليهود، فاتبعت سياسة علنية موالية للحركة الصهيونية إذ قامت بتضييق الخناق الاقتصادي على عرب فلسطين وخاصة الفلاحين منهم وتهويد الوظائف الحكومية، وفتح الأبواب أمام تدفق المهاجرين اليهود (4)، وغير ذلك من الأساليب لإرساء الدعائم الأولى للوطن القومي اليهودي وتنفيذ وعد بلفور .
    ولم يكن عرب فلسطين بمنأى عن هذه السياسة، فقد أدركوا مدى تحيز ومحاباة الحكومة البريطانية تجاه اليهود مساندتها لمطالبهم في الاستيطان والهجرة ونزع الأراضي من أصحابها العرب، فكان لا بد من أن يكون ردة فعل من عرب فلسطين إزاء هذه السياسة، وقد تمل ذلك في الاضطرابات التي وقعت في مدينة القدس خلال الفترة ما بين 4 – 8 نيسان 1920 أثناء احتفال المسلمين بموسم النبي موسى (5)، الذي تصادف مع الاحتفالات الدينية للمسيحيين واليهود، وخلال هذا الاحتفال وقعت الاشتباكات بين العرب واليهود أسفرت عن وقوع العديد من القتلى والجرحى من كلا الجانبين، وقد أظهرت هذه الأحداث مدى تحيز بريطانيا تجاه اليهود إذ قامت الشرطة البريطانية باستخدام كافة أساليب القمع والتنكيل بحق العرب، وقد اتهمت الحكومة كلاً من موسى كاظم الحسيني والحاج أمين الحسيني وعارف العارف بإثارة تلك الاضطرابات، فحكمت على الأخيرين بالسجن غيابياً لمدة عشر سنوات مع الأشغال الشاقة غير أنهما تمكنا من الفرار إلى شرق الأردن، وعزلت موسى كاظم الحسيني عن منصبه في رئاسة بلدية القدس وعينت راغب النشاشيبي بدلاً منه (6) .
    قامت الحكومة البريطانية على أثر هذه الاضطرابات بتشكيل لجنة تحقيق عسكرية لدراسة الأسباب التي أدت إليها، وكانت هذه اللجنة برئاسة الجنرال بالين palin وقد أصبحت تعرف باسمه، وقد جال في التقرير النهائي للجنة أن أسباب الاضطرابات تعود إلى الأمور التالية :
    خيبة أمل العرب لعدم تنفيذ وتحقيق وعود الاستقلال التي منحت لهم خلال الحرب العالمية الأولى .
    اعتقاد العرب بأن وعد بلفور يتضمن إنكاراً لحقهم في تقرير مصيرهم وخوفهم من أن إنشاء الوطن القومي يعني الزيادة الهائلة في الهجرة اليهودية التي ستؤدي إلى إخضاعهم للسيطرة اليهودية من الناحية الاقتصادية والسياسية .
    ازدياد حدة الشعور بالقومية العربية نظراً لوجود الدولة العربية في دمشق والتي كانت موئلاً للآمال العربية (7) .
    في مؤتمر سان ريمو 1920 قرر المجلس الأعلى للحلفاء منح بريطانيا حق الانتداب على فلسطين، وبناء على ذلك عينت الحكومة البريطانية السير هربرت صموئيل Herbert Samuel الصهيوني البريطاني مندوباً سامياً على فلسطين وحولت الإدارة العسكرية إلى إدارة مدنية، وكانت في بداية الأمر تحت رقابة وزارة الخارجية البريطانية ثم أصبحت تتبع مباشرة وزارة المستعمرات وأطلق عليها اسم "حكومة فلسطين" واتخذت من مدينة القدس مقراً لها (8) .
    استمرت ولاية صموئيل في فلسطين لمدة خمس سنوات قام خلالها بإصدار العديد من الأنظمة والتشريعات لصالح اليهود، وكان أكثر الأنظمة خطورة في تغيير الوضع القائم في فلسطين هي تلك المتعلقة بالأراضي والهجرة (9)، وذلك لتسهيل الهجرة اليهودية وتمليك اليهود مساحات واسعة من الأراضي، كما منح المؤسسات اليهودية العديد من الامتيازات والمشاريع الاقتصادية حتى يتمكنوا من السيطرة على الموارد الاقتصادية في فلسطين، منها امتياز العوجا الذي منح لبنحاس روتنبرغ Pin Rutinbury hass لاستخدام مياه العوجا لتوليد الطاقة الكهربائية عام 1921، وامتياز شركة الكهرباء الفلسطينية عام 1923 لاستخدام مياه نهر الأردن واليرموك لتوليد الطاقة الكهربائية وتوريدها، وامتياز استخراج الأملاح والمعادن من البحر الميت عام 1925(10) .
    وفي 22 حزيران عام 1922 أصدر وزير المستعمرات ونستون تشرشل Winston Churchill بياناً بشأن السياسة البريطانية تجاه فلسطين عرف باسم "الكتاب الأبيض" حيث أكد بأن وعد بلفور لا يعني "تحويل فلسطين بجملتها وجعلها وطناً قومياً لليهود بل إنما يعني بأن وطناً كهذا يؤسس في فلسطين"، غير أنه أكد أن هذا التصريح الذي حظي بتأييد دول الحلفاء في مؤتمر سان ريمو ومعاهدة سيفر (11)، غير قابل للتغيير، وأشار إلى أن ترقية الوطن القومي اليهودي في فلسطين لا يعني فرض الجنسية اليهودية على أهالي فلسطين بل زيادة رقي الطائفة اليهودية بمساعدة من جمع اليهود في مختلف أنحاء العالم. إلا أنه بين أن وجود الشعب اليهودي في فلسطين هو حق وليس منة مما جعل ضمان إنشاء الوطن القومي اليهودي ضماناً دولياً، كما أنه يستند إلى صلة تاريخية قديمة، كما تضمن الكتاب استمرار الهجرة اليهودية مع مراعاة القدرة الاقتصادية للبلاد على استيعاب المهاجرين. ونص على تشكيل مجلس تشريعي للبحث مع الإدارة في الأمور المتعلقة بتنظيم المهاجرة، وأخيراً بين الكتاب استثناء فلسطين من الوعود التي قطعتها الحكومة البريطانية للشريف حسين بشأن الاستقلال (12) .
    وهكذا فقد جاء الكتاب الأبيض ليؤكد تصميم الحكومة البريطانية تنفيذ وعد بلفور وإقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين دون الاكتراث بمطالب عرب فلسطين فيما يتعلق بإلغاء وعد بلفور ووقف الهجرة وإقامة الحكومة الوطنية فإذا كان القصد منه تطمين العرب وتهدئة مخاوفهم فقد زادهم قلقاً وخيب آمالهم .
    وفي 24 تموز 1922 أقر صك الانتداب البريطاني على فلسطين من قبل عصبة الأمم (13) وجاء الصك في مقدمة و 28 مادة كان معظمها لصالح اليهود والوطن القومي اليهودي، فقد تضمنت المقدمة نص تصريح وعد بلفور ومصادقة عصبة الأمم على الانتداب البريطاني على فلسطين وتخويل بريطانيا بتنفيذ الوعد، وتضمن الصك مواداً تتعلق بإنشاء الوطن القومي اليهودي والاعتراف بوكالة يهودية لتكون هيئة عامة لإسداء المشورة إلى إدارة فلسطين والتعاون معها في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من الأمور التي قد تؤثر في إنشاء الوطن القومي اليهودي، ويعترف الصك بالجمعية الصهيونية كوكالة دائمة شريطة موافقة الدولة المنتدبة على دستورها (مادة 4) وحدد مسؤوليتين للانتداب البريطاني الأولى تتطلب أن تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن وضع البلاد في أحوال سياسية واقتصادية تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي. والثانية ترقية مؤسسات الحكم الذاتي وتكون مسؤولة عن صيانة الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين بغض النظر عن الجنس والدين (مادة 2)، وطلب من إدارة فلسطين أن تعمل على تسهيل الهجرة اليهودية في أحوال ملائمة وتشجع بالتعاون مع الوكالة اليهودية الاستيطان اليهودي في الأراضي الأميرية والأراضي الموات غير المطلوبة للمقاصد العمومية (مادة 6) .
    وتضمن الصك أربع مواد تتعلق بالأماكن المقدسة والحفاظ عليها، فقد أنيط بالدولة المنتدبة جميع المسؤوليات المتعلقة بالأماكن والمباني والمواقع المقدسة في فلسطين وضمان الوصول إليها (مادة 13)، وتشكيل الدولة المنتدبة بموافقة من مجلس عصبة الأمم المتحدة لجنة لدارسة وتحديد وتقرير الحقوق والادعاءات المتعلقة بالأماكن المقدسة والطوائف الدينية المختلفة في فلسطين (مادة 4)، ويترتب على الدولة ضمان الحرية الدينية لجميع الطوائف شريطة المحافظة على النظام العام والآداب العامة دون تمييز بين السكان على أساس الجنس أو الدين أو اللغة (مادة 15)، وتكون مسؤولة عن ممارسة ما يقتضيه أمر المحافظة على النظام العام والحكم المنظم من الإشراف على الهيئات الدينية والجزائية التابعة لجميع الطوائف الدينية المذهبية في فلسطين، ولا يجوز اتخاذ أية تدابير من شأنها أن تعمل على إعاقة أعمال هذه الهيئات أو التعرض لها أو إظهار التمييز ضد أي ممثل من ممثليها أو عضو من أعضائها بسبب دينه أو جنسه (مادة 16) .
    ويتضح من مواد الصك أنها صيغت بشكل يخدم السياسة الصهيونية ويكفل إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، فالانتداب جاء ليخدم مصالح الشعوب والدول التي تخضع له حتى تصل إلى مرحلة النضج السياسي والاستقلال التام وليس لتنفيذ وعود سياسية قطعتها على نفسها حكومة الدولة المنتدبة قبل إقرار مبدأ الانتداب من عصبة الأمم. وبالإضافة إلى ذلك فإن المادة الثانية من صك الانتداب تضمنت تعهدين متناقضين لا يمكن التوفيق بينهما إذ ليس من المعقول أن توضع فلسطين في ظروف خاصة لصالح اليهود وهم أقلية دون المساس بحقوق العرب الذين كانوا يشكلون أغلبية السكان (14) .
    كما تجاهلت مواد الصك مبادئ الرئيس الأمريكي ولسن Wilson بشأن حق الشعوب في تقرير مصيرها والتي أوفدت من أجلها "لجنة كنج – كرين" king – crane عام 1919 حيث كان من ضمن توصياتها رفض إقامة الوطن القومي اليهودي والعدول عن الخطة التي ترمي إلى جعل فلسطين حكومة يهودية، واستنتجت بأنه من المستحيل أن يوافق المسلمون والمسيحيون على وضع الأماكن المقدسة تحت رعاية اليهود وذلك لأن "الأماكن الأكثر تقديساً عند المسيحيين هي ما له علاقة بالمسيح والأماكن المقدسة التي يقدسها المسلمون غير مقدسة عند اليهود بل مكروهة" وبذلك اقترحت اللجنة وضع الأماكن المقدسة تحت إدارة لجنة دولة دينية تكون بإشراف الدولة الوصية وعصبة الأمم (15) .
    وبعد أسبوعين من موافقة عصبة الأمم على صك الانتداب البريطاني لفلسطين أصدرت الحكومة البريطانية دستوراً لفلسطين في 10 آب 1922 وأصبح نافذ المفعول في 11 أيلول 1922 واشتملت مقدمته على نص تصريح وعد بلفور. وتضمن إنشاء مجلس تشريعي يكون برئاسة المندوب السامي لا تنفذ قوانينه إلا بموافقته، وأعطى المندوب السامي صلاحيات واسعة تتمثل في إصدار القوانين والإشراف على الأراضي العمومية وتعيين الموظفين وعزلهم ومنح العفو وإبعاد المجرمين السياسيين (16) .
    ومن الواضح أن السلطة العليا وفق الدستور كانت بيد المندوب السامي، بينما لم يكن للعرب الفلسطينيين أية سلطة تذكر حتى أن المجلس التشريعي كانت صلاحياته مقيدة بإدارة المندوب السامي، وبالتالي فلم يكن لهذا المجلس سلطة تنفيذية على الإطلاق وذلك كان من الطبيعي أن لا توافق اللجنة التنفيذية العربية على هذا الدستور .
    ومهما يكن من أمر فإن حكومة الانتداب البريطاني استمرت في نهج السياسة الرامية لبناء الوطن القومي اليهودي وتمثلت هذه السياسة في تشجيع الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين، والعمل على تسخير القوانين لصالح اليهود وتضييق الخناق الاقتصادي على العرب بالإضافة إلى رفض مطالب عرب فلسطين بشأن التمثيل السياسي وإقامة حكومة وطنية، مما أدى إلى ازدياد حدة التوتر لدى العرب خاصة بعد محاولات اليهود الاعتداء على المقدسات الإسلامية وأراضي الأوقاف في مدينة القدس، الأمر الذي أدى إلى ازدياد نقمة الفلسطينيين على الحكومة .





    ^^




    ^^

  2. #2
    الصورة الرمزية عطر الياسمين
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    الدولة
    ♥ قلب أحلى شلة ♥
    العمر
    24
    المشاركات
    3,311
    معدل تقييم المستوى
    303


    ثورة البراق 1929

    كان السبب الرئيسي في الصدامات التي وقعت بين العرب واليهود. عام 1929 يعود للخلافات بين الطرفين حول حائط البراق الذي يعتبر مكاناً مقدساً لدى المسلمين واليهود والبراق مكان صغير ملاصق لجدار الشريف في القدس وقد جرت التقاليد الإسلامية على اعتباره المكان الذي ربط فيه الرسول صلى الله عليه وسلم البراق ليلة الإسراء فاصبح يعرف عند المسلمين بالبراق (17) كما أن الجهات الخارجية التي تحيط بالبراق هي أوقاف إسلامية منذ 700 سنة دون انقطاع ويعتبر أيضاً الحرم الشريف مكاناً مقدساً وملكاً للأمة الإسلامية منذ ثلاثة عشر قرناً ونصف القرن (18) .
    أما بالنسبة لليهود فيشكل الحائط جزءاً من الحائط الخارجي الغربي لهيكل اليهود القديم ويقدسونه باعتباره البقية الباقية من ذلك المكان المقدس**، فقد اعتاد اليهود منذ العصور الوسطى على زيارة هذا المكان في المناسبات الدينية خاصة يوم الصيام المعروف بيوم "تسعة آب" والذي يحتفل به بذكرى خراب آخر هيكل لليهود من قبل هيرودس (19) .
    وقد جرت العادة أن يسمح لليهود بزيارة البراق والبكاء على خراب هيكل سليمان دون أية معارضة من قبل المسلمين وذلك من باب التسامح الديني ومن باب أنها مجرد شعائر يؤدونها دون أن يكون لهم أي حق مكتسب في هذا المكان (20) .
    وبعد وقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني حاول اليهود خلال فترة العشرينات إجراء بعض التغييرات في الوضع القائم، ففي 24 أيلول 1928 وبمناسبة عيد الغفران قاموا بنصب المقاعد أمام الحائط وجلب الكراسي والمصابيح والحصر وتابوت العهد وكتب التوراة وإقامة الستار الخشبي الذي يفصل بين الرجال والنساء، وذلك تمهيداً لإقامة كنيس يهودي في هذا المكان(21)، مما أدى إلى احتجاج المسلمين وتدخل الحكومة البريطانية التي قامت بإزالة الستار ورفع كافة الأغراض التي وضعها اليهود والتي تخالف ما كان معتاداً عليه من قبل (22) .
    بعد أن أخذ الحاج أمين الحسيني يدعو لعقد مؤتمر إسلامي عام لإثارة الجو الإسلامي في فلسطين والبلاد العربية. وانعقد هذا المؤتمر في أول تشرين الثاني 1928 حيث اتخذ العديد من القرارات من أهمها:
    الاحتجاج بكل قوة على أي عمل أو محاولة ترمي إلى إحداث أي حق لليهود في مكان البراق واستنكار ذلك والاحتجاج على كل تساهل أو تغاضٍ أو تأجيل يمكن أن يبدو من الحكومة في هذا المجال .
    منع اليهود منعاً باتاً من وضع أية أداة من أدوات الجلوس والإنارة والعبادة والقراءة وضعاً مؤقتاً أو دائماً في ذلك المكان في أية حالة من الأحوال وأي ظرف من الظروف ومنعهم من رفع الأصوات وإظهار المقالات بحيث يكون المنع باتاً حتى لا يضطر المسلمون إلى ان يباشروا منعه بأنفسهم مهما كلفهم الأمر دفاعاً عن هذا المكان المقدس وعن حقوقهم الثابتة لهم فيه .
    إبعاد المستر بنتويش الزعيم الصهيوني البريطاني عن منصبه كمدع عام والذي اشتهر بآرائه المتطرفة المعادية للإسلام والمسلمين (23) .
    كما قررت المؤتمرون إنشاء جمعية تعرف بـ"جمعية حراسة الأماكن المقدسة" على أن يكون مركزها في مدينة القدس وأن تتعاون مع "لجنة الدفاع عن البراق الشريف" وأنيط بهذه الجمعية مهام تنفيذ قرارات المؤتمر الإسلامي وإنشاء فروع لها في مختلف أنحاء العالم الإسلامي والاتصال مع الجاليات الإسلامية في المهجر (24) .
    وفي أواخر تشرين الثاني 1928 أصدرت الحكومة كتاباً أبيض رقم 3229 عن أحداث البراق لعام 1928 تضمن مسؤولية الحكومة في الحفاظ على حقوق اليهود في أداء الصلاة في الحائط وأن يأخذوا معهم الأشياء الجوهرية التي كان مسموحاً بها خلال الحكم العثماني، واقترحت الحكومة في هذا الكتاب على اللجنة التنفيذية الصهيونية والمجلس الإسلامي الأعلى لعقد "بروتوكول بين الطائفتين الإسلامية واليهودية لتنظيم القيام بالخدمة الدينية عند الحائط دون إجحاف بحقوق المسلمين الشرعية وعلى منوال يتناسب مع مقتضيات الطقوس الدينية العادية ولياقتها فيما يتعلق بشؤون العبادة (25).
    غير أن الحكومة البريطانية فشلت في التوفيق بين الطرفين لا سيما وأن الخلاف هنا خلاف على مكان مقدس لديهما مما يعني بأن الصدامات ستتجدد مرة أخرى وبشكل أعنف من قبل، ففي 15 في 1929 وبمناسبة ذكرى إحياء هيكل سليمان قام اليهود بمظاهرة ضخمة في شوارع مدينة القدس واتجهوا إلى حائط البراق حيث رفعوا العلم الصهيوني وأنشدوا النشيد الوطني الصهيوني، الأمر الذي أدى إلى استفزاز مشاعر المسلمين فقاموا في اليوم التالي بمظاهرة مضادة حطموا خلالها منضدة لليهود على رصيف الحائط وأحرقوا أوراق الصلوات اليهودية الموجودة في ثقوب الحائط(26). فكانت هذه الأحداث مقدمة للصدامات الكبيرة التي وقعت بين الطرفين في 23 آب 1929 والتي ابتدأت من مدينة القدس وامتدت لتشمل كافة أنحاء فلسطين، وقد أسفرت تلك الصدامات عن وقوع العديد من الضحايا والجرحى من كلا الجانبين، ولم تهدأ إلا بعد تدخل القوات العسكرية البريطانية التي استخدمت كافة أساليب القمع والعنف بحق العرب.

    لجنة شو للتحقيق
    وعلى أثر هذه الأحداث أعلن اللورد باسفيلد passfield وزير المستعمرات في الحكومة البريطانية في 13 أيلول 1929 تعيين لجنة للتحقيق عن الأسباب المباشرة التي أدت إلى وقوع الاضطرابات الأخيرة في فلسطين ولوضع التوصيات بشأن التدابير الواجب اتخاذها لمنع تكرارها. وتشكلت اللجنة من السير والترشو w. Shaw قاضي قضاة ملقه سابقاً رئيساًن والسير هنري بتريون H.Bettreon من حزب المحافظين عضواً، والمستر هوبكن موريس H.Moriss من حزب الأحرار عضواً ثانياً، والمستر هنري سنل H.Senll من حزب العمال عضواً ثالثاً (27). وصلت اللجنة إلى فلسطين في 24 تشرين الأول 1929 ومكثت فيها 66 يوماً معظمها في مدينة القدس عقدت خلالها سبعة وأربعين جلسة علنية وإحدى عشرة جلسة سرية استمعت فيها إلى العديد من الشهود من الأطراف الثلاثة والإنجليز والعرب واليهود (28) .
    وفي 31 آذار 1930 قدمت اللجنة تقريرها إلى وزير المستعمرات اللورد باسفيلد، وقد بينت في معرض تحليلها للاضطرابات التي وقعت في 23 آب 1929 أنها كانت نتيجة لخيبة الأماني القومية والسياسية للعرب وخوفهم على مستقبلهم الاقتصادي، وأشارت إلى أن العلاقات بين العرب واليهود في فلسطين قبل الحرب العالمية الأولى كانت جيدة فقد عاشوا جنباً إلى جنب بألفة ومحبة وتسامح وتساهل وهذا ما لم يعد متوفراً وموجوداً في عام 1929 وترى اللجنة أن هذا التغير في العلاقات بين الشعبين جاء نتيجة للسياسة المتناقضة للحكومة البريطانية فيما يتعلق بوعد بلفور والوعود التي قطعت للشريف حسين خلال الحرب العالمية الأولى، فكان "إنشاء وطن قومي لليهود حسب المعنى الواسع الذي فهم به يخالف مطالب العرب بينما لو سلم بالمطالب القومية العربية لأصبح من المستحيل تحقيق العهد المقطوع لليهود" (29) .
    وبينت اللجنة أن الأسباب المباشرة للاضطرابات تتمثل في سلسلة الحوادث الطويلة المتعلقة بحائط البراق التي ابتدأت يوم عيد الغفران في شهر أيلول 1928 وانتهت بالمظاهرة الإسلامية التي أقيمت بجانب الحائط في 15 آب 1929 كانت "أكبر مساعدة في وقوع الاضطرابات"، ثم يلي ذلك أهمية في سلسلة الحوادث أعمال جمعية حراسة الأماكن المقدسة وبدرجة أقل أعمال لجنة الدفاع عن حائط المبكى اليهودية، إذ أن "كلاً منهما كانت تدير حملة دعاية بشأن مسألة من شأنها أن تؤدي إلى اضطرابات كما أن الفرق بين لهجة صحافة هاتين الهيئتين يبين جلياً الفرق بين مزاج وعقلية كل منهما"(30)، وحملت اللجنة الصحافة العربية واليهودية مسؤولية إثارة الخلافات بين الشعبين "نظراً للمقالات المهيجة الخارجة عن حد الاعتدال التي كانت تنشرها تلك الصحف (31) .
    وفنّدت اللجنة الشكاوى التي تقدمت بها اللجنة التنفيذية الصهيونية بحق الحاج أمين الحسيني مفتي القدس ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى ومفادها أن الاضطرابات كانت بتحريض من المفتي ومن اللجنة التنفيذية العربية، إذ أن المفتى كان مدفوعاً برغبة تأمين منصبه في رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى بعد أن أصبح مركزه مهدداً وفقاً لمشروع النظام الجديد الذي وضعته الحكومة عام 1928 بشأن تعديل نظام المجلس الإسلامي الأعلى الذي لو أقرته الحكومة لحدد فترة بقاء المفتي بمنصبه (32) .
    غير أن اللجنة لم تقبل هذا التفسير إذ أن مشروع النظام يسمح للمفتي الاستمرار في منصبه لمدة تسع سنوات يجدد تلقائياً ما لم تقرر الهيئة الإسلامية العامة بموافقة ثلثي مجموع أعضائها بتجديد انتخابه، وذلك فلا يمكن "إدراكه حسب اعتقادنا أن يكون مشروع هذا النظام الذي يؤمن مركز المفتي تسع سنوات ويفتح أمامه باب الأمل بالبقاء في منصبه بعد انقضاء هذه المدة دافعاً للمفتي للتحريض على الثورة أو تنظيمها" (33) .
    أما بشأن الإدعاء الآخر الذي قدمته اللجنة الصهيونية بحق المفتي من أنه ضرب على الوتر الديني فيما يتعلق بمطامع اليهود في الأماكن الإسلامية المقدسة في فلسطين والاستيلاء على المسجد الأقصى وعلى منطقة الهيكل القديم حتى يحرك شعور المسلمين ضد اليهود في فلسطين، أشارت لجنة شو إلى أن هذه الحملة ربما تكون دينية أو سياسية أو دينية وسياسية في آن واحد، وإذا كانت دينية فما هي إلا "سوى الإعراب عن شعور حقيقي وهي لهذا الحد مبررة (34) كما بينت اللجنة أن الدور الذي لعبه المفتى في تنظيم حملة البراق كان يرمي إلى إزعاج اليهود وتوجيه الرأي العام العربي إلى مسألة حائط البراق، ولم يكن يهدف إلى استغلال هذه الحملة لتكون وسيلة للتحريض على الاضطرابات، وقد دللت اللجنة أن الاضطرابات التي وقعت في مدن الخليل وحيفا ويافا وصفد كانت عنيفة جداً في حين كان نفوذ المفتي في هذه المدن ضعيفاً بالمقارنة مع نفوذ الحزب المنافس له (35) .
    كما أن المفتى كان خلال فترة الاضطرابات يقوم باستمرار بإلقاء الخطب لتهدئة الأهالي وتسكينهم كما كان يوجه النداءات يدعو فيها إلى التذرع بالحلم والحكمة والصبر، إضافة إلى أنه ساعد الحكومة في جهودها لتوطيد السلام والحيلولة دون امتداد الاضطرابات (36) .

    ^^












    ^^

  3. #3
    الصورة الرمزية عطر الياسمين
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    الدولة
    ♥ قلب أحلى شلة ♥
    العمر
    24
    المشاركات
    3,311
    معدل تقييم المستوى
    303
    لجنة البراق الدولية

    كان من ضمن توصيات لجنة شو تعيين لجنة دولية للفصل في الحقوق والمطالب المتعلقة بحائط البراق (37)، وتنفيذاً لهذه التوصية شكلت الحكومة البريطانية لجنة من ثلاثة أشخاص (38)، عرفت باسم "لجنة البراق الدولية"، وقد أقر مجلس عصبة الأمم هذه اللجنة في 15 أيار 1930 .
    وفي حزيران 19 حزيران 1930 وصلت اللجنة إلى مدينة القدس وأقامت فيها شهراً عقدت خلاله 23 جلسة واستمعت إلى شهادات أدلى بها العديد من اليهود والعرب، وقد مثل الجانب العربي كل من عوني عبد الهادي وأحمد زكي باشا ومحمد علي باشا بينما مثل الجانب اليهودي كل من الدكتور مردخاي الياش المستر دافيد يلين والحاخام موشي بلاد (39). كما أدلى بالشهادة أمام اللجنة العديد من الشخصيات الفلسطينية ممن كان لهم إطلاع واسع ومعرفة شاملة بالأماكن المقدسة من الناحية التاريخية الفلسطينية ممن كان لهم إطلاع واسع ومعرفة شاملة بالأماكن المقدسة من الناحية التاريخية والقانونية، إضافة إلى العديد من الشخصيات العربية والإسلامية البارزة من مختلف الدول العربية والإسلامية كمراكش والجزائر وليبيا ومصر والأردن والعراق وسوريا ولبنان وبلاد فارس والهند وإندونيسيا(40) .
    أبرز فريق المسلمين للجنة مستندات ووثائق متعددة كسجلات المحاكم الشرعية والفرمانات التي أصدرها السلاطين العثمانيون المتعلقة بالحائط، والمراسلات بين المجلس الإسلامي الأعلى من جهة، وحكومة الانتداب وعصبة الأمم من جهة ثانية، وصور فوتوغرافية، بالإضافة إلى خلاصات لكتب الجغرافيين والسياح والرحالة والمؤرخين الغربيين (41) .
    وبيّن الجانب الإسلامي للجنة بأن البراق جزء لا يتجزأ من الحرم الشريف ولا يوجد فيه (حجر واحد يعود إلى عهد الملك سليمان)، كما أن الممر الكائن عند الحائط ليس طريقاً عاماً لأنه أنشى لمرور سكان حارة المغاربة وغيرهم من المسلمين للذهاب إلى مسجد البراق والحرم الشريف، كما بيّن أيضاً أن السماح لليهود بزيارة الحائط خلال أيام معينة لا يعني "سوى أنه من قبيل التسامح الذي أبداه نحوهم المسلمون" وقد استند الجانب الإسلامي في ذلك إلى ما أورده السياح والمؤرخون والجغرافيون من أنه ((لما كان يسمح لليهود بالاقتراب من الحائط وما كان ليسمح بذلك دائماً، ولم يكن ما يبدونه عند الحائط يتجاوز حد النواح ولم يحاولوا قط إقامة شعائر دينية بالفعل، وفضلاً عن ذلك كان اليهود في بعض الأحيان لا ينوحون عند الحائط بل يذهبون خارج المدينة))** (42) وأشار الجانب الإسلامي إلى قدسية الرصيف الكائن عند الحائط والمكان المجاور له، وقد جاءت هذه القدسية لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نزل فيه ومر به ثم ربط براقه في الحائط ليلة الإسراء (43) .
    أما بشأن طلب اليهود بالسماح لهم بجلب أدوات إلى الحائط كالمقاعد والكراسي والستائر وغير ذلك، فقد بين الجانب الإسلامي أن هذا الطلب لا يستند إلى عادة سابقة، واستند في ذلك إلى المراسيم التي أصدرتها الدولة العثمانية عامي 1840 و 1911 فقد منعت فيها إجراء مثل ذلك (44) كما استدعى العديد من الشهود ممن كانوا يزورون الحائط بانتظام خلال فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى وشهدوا بأنهم لم يروا ((هناك شيئاً يشبه صلاة طقسية يقيمها اليهود ولا أدوات دينية)) (45) .
    ومهما يكن من أمر فقد أبدى وكلاء فريق المسلمين تحفظين اتخذهما الحجج التي أدلوا بها وهما:
    أن الشعب العربي الفلسطيني لا يعترف بالانتداب البريطاني على فلسطين وبالتالي فهو لا يلتزم بأي نظام مستمد من الانتداب ولا الإقرار بأية نتيجة تؤدي إلى إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين، فالشعب الفلسطيني هو وحده صاحب الحق في تقرير مصيره.
    إن النزاع على ملكية أماكن العبادة أو على حقوق مدعى بها على هذه الأماكن يجب أن يرفع إلى الهيئة المختصة دون غيرها بالفصل في أمر الوقف والأماكن المقدسة (46) .
    أما فيما يتعلق بمطالب اليهود ادعاءاتهم، فتتلخص في عادة اليهود بالذهاب إلى حائط البراق للبكاء على خراب حائط سليمان، وادعوا أن هذه العادة تعود إلى أقدم الأزمنة أي إلى فترة ما بعد خراب الهيكل لأنهم اعتادوا الذهاب في يوم ذكرى خراب الهيكل وفي الأعياد الدينية وأيام السبت، وكانوا يؤدون الصلوات اليهودية والبكاء والنواح ووضع قصاصات من الأوراق في ثقوب جدران الحائط تتضمن استرحامات وتمنيات دينية، كما ادعوا أن استعمال أدوات كالمقاعد والستائر وخزانة تتضمن أسفار التوراة وقناديل طقسية وطشت للغسيل وغير ذلك كان شائعاً قبل الحرب العالمية الأولى (47) .
    ونفى الجانب اليهودي اعتبار الحائط والرصيف الكائن أمامه حارة المغاربة أماكن إسلامية مقدسة، إذ أشار إلى أن مدى اتساع المنطقة التي يشملها الوقف غير واضح تمام الوضوح في سجلات المحاكم الشرعية، كما أن حدودها غير واضحة، ويعتقد أن وقف أي عقار لا يؤثر في قيام اليهود بفروض العبادة عند الحائط لأن اليهود كانوا يقيمون دائماً طقوس عبادتهم قبل إنشاء الوقف وبعده (48)، واستناداً إلى هذه الحجج طالب اليهود من اللجنة الاعتراف بأن حائط البراق مكان مقدس لجميع اليهود في مختلف أنحاء العالم ومن حقهم الذهاب إليه للقيام بالطقوس الدينية دون معارضة، كما طالبوا أن تقدم اللجنة اقتراحاً لحكومة الانتداب حتى تقوم بالتنسيق مع دائرة الأوقاف الإسلامية لإنشاء مبان جديدة في بعض المواقع بمدينة القدس مقابل إجلاء أملاك وقف المغاربة (49) .
    وفي 14 كانون الثاني 1931 أصدرت اللجنة تقريرها ورفعت نسخة منه إلى وزير الشؤون الخارجية في الحكومة البريطانية ونسخة أخرى إلى عصبة الأمم المتحدة، وقد بينت اللجنة في هذا التقرير أن حق ملكية الحائط وحق التصرف به عائد للمسلمين، فالحائط ملك للمسلمين نظراً لكونه جزءاً لا يتجزأ من الحرم الشريف كما أن الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام حارة المغاربة حيث يقيم اليهود صلواتهم هو أيضاً ملك للمسلمين لكونه موقوفاً حسب أحكام الشرع الإسلامي لجهات البر والخير، وأشارت إلى أنه ثبت لديها أن المنطقة التي تكتنف الرصيف قد وقفها على المسلمين الملك الأفضل ابن صلاح الدين الأيوبي عام 1193 م (50)، وبينت أن أدوات العبادة التي يضعها اليهود بالقرب من الحائط لا تعتبر، أو أن يكون من شأنها إنشاء أي حق عيني لليهود في الحائط أو في الرصيف المجاور له (51) .
    وأوصت اللجنة بحرية وصول اليهود للحائط الغربي لإقامة الشعائر الدينية في جميع الأوقات ويسمح لهم بوضع الخزانة المحتوية على سفر أو أسفار التوراة والمائدة التي توضع عليها الأسفار عند القراءة فيها عند الحائط في المناسبات التالية:
    أوقات الصيام أو اجتماع خاص للصلاة العامة تدعو إليه رئاسة حاخامي القدس بسبب وقوع كارثة أو نكبة أو مصيبة عامة شريطة إبلاغ الحكومة بذلك .
    في يومي عيد رأس السنة وعيد الغفران .
    ج- في أيام الأعياد المخصوصة الأخرى التي تعترف بها الحكومة التي جرت العادة فيها على جلب الخزانة المحتوية على الأسفار إلى الحائط (52) .
    وأوصت اللجنة بعدم وضع أي مقاعد أو كراسي أو خيمات على الرصيف الكائن أمام الحائط وعدم وضع أي حاجز أو ستائر، وأنيط تعمير الحائط باعتباره من الآثار التاريخية بحكومة الانتداب بعد استشارة المجلس الإسلامي الأعلى والمجلس الرباني لفلسطين (53) .
    وبالرغم من اعتراف اللجنة بملكية المسلمين للحائط، فقد أبدى المجلس الإسلامي الأعلى احتجاجه على تقرير اللجنة ورفضه له، حيث رفع مذكرة لحكومة الانتداب بين فيها الأسباب التي دعته لرفض التقرير، وتتمثل في عدم اعتراف المسلمين بصلاحية بت اللجنة في مسألة حائط البراق لأنه لا حق لغير المسلم في الفصل في المسائل الشرعية، كما أن التقرير أعطى اليهود حقوقاً في حائط البراق ليست لهم وفي ذلك مخالفة لقانون التملك لأنه يسلب المسلمين حق التصرف في ملكهم (54)، كما بعث الحاج أمين الحسيني بمذكرة إلى عصبة الأمم بين فيها عدم اعتراف المسلمين بقرارات اللجنة وأشار في هذه المذكرة إلى المادة الثالثة عشرة (55)، من صك الانتداب والتي ضمنت بموجبها امتيازات المقامات الإسلامية المقدسة وحظر كل تعرض لجوهر أو إدارة هذه المقامات (56) .
    ومهما يكن من أمر فقد اعتقد العرب بأن الحكومة البريطانية ستعمل على تنفيذ التوصيات التي وردت في تقرير لجنة شو، فقررت اللجنة التنفيذية العربية إرسال وفد عربي إلى لندن لمفاوضة الحكومة بشأن المسألة الفلسطينية، حيث وصل إلى لندن في أواخر شهر آذار 1930 واجتمع مع رئيس الوزراء البريطاني (رمزي ماكدونالد) ووزير المستعمرات اللورد باسفيلد حيث قدم مذكرة طالب فيها سن تشريع لمنع بيع الأراضي من العرب إلى اليهود ووقف الهجرة اليهودية وإعادة تأسيس البنك الزراعي العثماني وتأسيس حكومة وطنية نيابية وفقاً للمادة 22 من نظام عصبة الأمم (57) .
    غير أن هذا الوفد فشل في مهمته إذ أن الحكومة البريطانية لم تستجب لطلباته، ففي 3 نيسان 1930 ألقى ماكدونالد خطاباً أمام مجلس العموم البريطاني، بين فيه أن الحكومة ستستمر بإدارة شؤون فلسطين وفقاً لصك الانتداب، كما أشار إلى "الالتزام المزدوج" الواقع على عاتق الحكومة تجاه الشعب اليهودي والجماعات غير اليهودية (58) .
    بعد ذلك عينت الحكومة لجنة لبحث وتطوير البلاد برئاسة خبير الأراضي السير جون هوب سمبسون وقد مكثت اللجنة في فلسطين نحو خمسة شهور قدمت في نهايتها تقريراً إلى الحكومة في 20 تشرين الأول 1930 (59) وتوصل سمبسون إلى نتيجة مفادها عدم وجود أراضي زائدة عن اللزوم لاستقرار المهاجرين اليهود، وذلك نظراً للطرق والأساليب الزراعية التي يتبعها المزارعون العرب، إذ أن حالة الفلاح الفلسطيني لم تتحسن إلا قليلاً عما كانت عليه في العهد العثماني نظراً لعدم اهتمام الحكومة البريطانية بتحسين وتطوير الأساليب الزراعية لدى الفلاحين الفلسطينيين (60). وأشار إلى ازدياد عدد العرب الذين أصبحوا بلا أرض، فقد توصل إلى أن 29,4% من مجموع العائلات القروية أصبحت بلا أرض علماً بأن العائلة الواحدة تحتاج إلى 130 دونماً من الأراضي البعل "غير المسقية" للقيام بأود معيشتها، وإذا ما قسمت مساحة الأراضي الزراعية في فلسطين باستثناء بئر السبع والأراضي التي في حوزة اليهود فيكون نصيب العائلة الواحدة لا يزيد عن 90 دونماً (61). وبين سمبسون السياسة التي يتبعها الصندوق القومي اليهودي "الكيرين كايميت" والصندوق التأسيس اليهودي "الكيري هايسود" في استخدام العمال حيث تضمنت عقود إيجار هاتين المؤسستين مع الذين يستأجرون أراضي منهما عدم تشغيل عمالاً من غير اليهود (62). وأشار إلى ازدياد البطالة بين العرب حتى أصبحت تشكل خطراً على حياة البلاد الاقتصادية حيث أدى ذلك "إلى انخفاض جلي في مستوى المعيشة بين طبقة العمال" (63) .






    ^^




    ^^

  4. #4
    الصورة الرمزية عطر الياسمين
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    الدولة
    ♥ قلب أحلى شلة ♥
    العمر
    24
    المشاركات
    3,311
    معدل تقييم المستوى
    303
    الكتاب الأبيض 1930
    بعد نشر تقري شو وسمبسون أصدرت الحكومة البريطانية بياناً في 21 تشرين الأول 1930 أوضحت فيه واجباتها كدولة منتدبة والخطة السياسية التي تنوي اتباعها في إدارة فلسطين وفقاً لصك الانتداب، وعرف هذا البيان باسم "الكتاب الأبيض" (64)، وقد تضمن ضرورة تنظيم الهجرة اليهودية على أساس مقدرة البلاد الاقتصادية، إذ من الضروري "ضمان عدم صيرورة المهاجرين عالة على أهالي فلسطين عموماً وعدم حرمان أية فئة من السكان الحاليين من أشغالها" وأشار إلى أنه عند تقرير مقدرة البلاد الاقتصادية على استيعاب مهاجرين جدد يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار عدد العاطلين عن العمل من العرب واليهود لتقرير نسبة المهاجرين التي يجب السماح بها" (65) وبين أنه نظراً للطرق الزراعية الحالية التي يتبعها العرب فلا يوجد في فلسطين أية أراض ميسورة لاستقرار المزارعين من المهاجرين الجدد كما أن مساحة الأراضي المحلولة التي تملكها الحكومة ليست مما يعتد بها (66) .
    أما بشأن التطورات الدستورية، فقد بين الكتاب بأن الحكومة البريطانية ترى أن الوقت قد حان للسير في مسألة منح فلسطين نوعاً من الحكم الذاتي، ولذلك فهي تنوي تشكيل مجلساً تشريعياً يتمكن العرب من خلاله إبداء آرائهم الاجتماعية والاقتصادية أمام الحكومة نظراً لحرمانهم من أية وسائل دستورية تمكنهم من إبداء تلك الآراء (67) .
    تمثل موقف العرب تجاه الكتاب الأبيض ببيان أصدرته اللجنة التنفيذية العربية في كانون الأول 1930 (68) وقد لخصت موقفها بالقول (ليس في الكتاب الأبيض من جديد في حقوق العرب السياسية وأن النصوص والمبادئ الواردة فيه عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية لا تضمن للعرب حقوقهم القومية ومصالحهم الاقتصادية فالمهم ليس بالنصوص والمبادئ ولكن بتنفيذها) (69) .
    لقد جاء موقف اللجنة التنفيذية العربية هذا من خلال إدراكها بأن الحكومة البريطانية لن تلتزم بتعهداتها إزاء العرب، وكان هذا الرأي في مكانه، إذ سرعان ما تراجعت الحكومة عن الكتاب الأبيض نتيجة لاحتجاجات الوكالة اليهودية والضغوط التي مارستها الحركة الصهيونية على الحكومة. وتمثل هذا التراجع من خلال الرسالة التي بعثها رئيس الوزراء البريطاني ماكدونالد إلى حاييم وايزمان رئيس الوكالة اليهودية في 13 شباط 1930 (70) تضمنت تفسير الكتاب الأبيض حيث ذكر فيها ماكدونالد أن الالتزام بتسهيل الهجرة اليهودية وتشجيع الاستيطان اليهودي يبقى التزاماً إيجابياً للانتداب يمكن تحقيقه دون إلحاق الضرر بحقوق الفئات الأخرى من سكان فلسطين (71)، وبين أن الكتاب الأبيض لم يتضمن مع شراء اليهود لأراض إضافية، وليس هناك أية من هذا القبيل بل المقصود فرض رقابة على تملك الأراضي وانتقالها على وجه يكفل عدم الإضرار بانتظام مشروع استعمار الأراضي الذي سيعمل به (72) .
    جاء هذا التراجع من قبل الحكومة ليبين مدى تحيزها لجانب اليهود ومدى التزامها بإقامة الوطن القومي اليهودي وبالتالي كان ذلك نقضاً لكل ما صدر عن بريطانيا لإرضاء العرب، وقد أطلق العرب على رسالة ماكدونالد اسم "الكتاب الأسود" .
    بعد ذلك أخذ الحاج أمين الحسيني يدعو لعقد مؤتمر إسلامي عام في مدينة القدس من أجل البحث في حالة المسلمين الحاضرة وصيانة الأماكن المقدسة الإسلامية من الأيدي الممتدة إليها الطامعة بها، وفي شؤون أخرى تهم المسلمين جميعاً (73)، وقد هدف الحسيني من ذلك توجيه أنظار الرأي العام الإسلامي إلى القضية الفلسطينية في أعقاب ثورة البراق وتعزيز موقف الفلسطينيين لمقاومة الأطماع الصهيونية والانتداب البريطاني (74) .
    شكلت لجنة تحضيرية للمؤتمر برئاسة الحاج أمين الحسيني وعضوية كل من عبد العزيز الثعالبي وأمين التميمي وعزة دروزة وأحمد حلمي عبد الباقي والشيخ محمود الداوودي والشيخ حسن أبو السعود وعجاج نهويهض (75)، وافتتح المؤتمر في 27 رجب 1350 هـ/ الموافق 1 كانون الأول 1931 وذلك ذكرى ليلة الإسراء والمعراج، وقد حضره العديد من كبار الشخصيات والزعامات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم يمثلون 2 بلداً إسلامياً (76)، واتخذ المؤتمر العديد من القرارات الهامة المتعلقة بالقدس منها:
    إنشاء جامعة إسلامية عليا تفي بحاجة المسلمين في دينهم ودنياهم وتكفل للمتعلمين منهم تعليماً ثانوياً وأن يستغنوا أو يستغني بعضهم عن اللجوء إلى الجامعات غير الإسلامية وتكون ذات فروع عديدة تسمى "جامعة المسجد الأقصى الإسلامية" ويكون مركزها في مدينة القدس .
    إعلان استنكار قرار لجنة البراق الدولية .
    تنبيه علماء المسلمين ورؤساء حكوماتهم بخطر الصهيونية على فلسطين والمقدسات الإسلامية فيها وعلى البلاد الإسلامية التي تجاورها حتى يكونوا على بيّنة من أمرها وحتى يبثوا بين مواطنيهم هذه الحركة، والكتابة إلى ملوك المسلمين وأمرائهم بشأن البراق الشريف (77) .
    غير أن هذه القرارات لم تخرج إلى حيز التنفيذ، فقد تردد الأمراء المسلمون في مسألة التبرعات المادية بسبب ضغط الحكومة البريطانية عليهم في بلادهم، إذ لم يتم جمع التبرعات اللازمة لتنفيذ قرارات المؤتمر، كما أن بعض التبرعات التي تم جمعها بقيت بأيدي الأشخاص الذين جمعوها ولم ترسل للصندوق (78) .








    ^^




    ^^

  5. #5
    الصورة الرمزية عطر الياسمين
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    الدولة
    ♥ قلب أحلى شلة ♥
    العمر
    24
    المشاركات
    3,311
    معدل تقييم المستوى
    303
    ثورة 1936 ومشروع التقسيم
    استمرت حكومة الانتداب البريطاني باتباع سياسة المحاباة تجاه اليهود واتخاذ الإجراءات اللازمة لتسهيل إقامة الوطن القومي اليهودي خاصة فيما يتعلق بقضيتي الأرض والهجرة. فخلال الفترة ما بين 1933-1935 قفزت أعداد الهجرة اليهودية بشكل هائل، حيث دخل أكثر من نصف مجموع عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين منذ عام
    1919 (79) ففي عام 1933 بلغ عدد المهاجرين اليهود الذين دخلوا فلسطين 30,337 مهاجراً (80)، ثم ارتفع في العام التالي ليصل إلى 42,356 مهاجراً مشكلاً بذلك أعلى معدل سنوي منذ عام 1920 (81). وقد اعتبر العرب أن الهجرة اليهودية بهذه الأعداد ما هي إلا تحقيقاً لخطوة متقدمة في المسعى الصهيونية لقلب التوازن الديمغرافي في فلسطين لصالح اليهود. وكانت الهجرة غير المشروعة أكثر إزعاجاً للعرب، فقد وصل عددها عام 1933 وفقاً لتقدير الحكومة 22,400 مهاجر دخل معظمهم فلسطين من خلال تأشيرات زيارة إلا أنهم لم يغادروها بعد انتهاء مدة التأشيرة بينما تهرب آخرون من المرور كلياً بإجراءات مراقبة الحدود (82) .
    أما بالنسبة لمسألة الأراضي فقد استمرت حكومة الانتداب بمنح اليهود المزيد من الأراضي الأميرية، كما لم تطبق القوانين المتعلقة بانتقال الأراضي من العرب إلى اليهود، وقوانين حماية المزارعين المستأجرين مما أدى إلى ازدياد عدد العرب الذين أصبحوا بلا أرض (83) وعملت على زيادة قيمة الضرائب الحكومية كضريبة العشر والأغنام والمسقفات حتى أصبحت تلك الضرائب مجحفة بحقوق الفلاحين، فوفقاً لتقديرات لجنة جونسون كروسبي التي جاءت إلى فلسطين عام 1930، شكلت تلك الضرائب حوالي 34% من مجمل الدخل الصافي للفلاح (84). كما أشارت اللجنة إلى أن الدخل الصافي للعائلة المتوسطة انخفض من 27,5 جنيهاً فلسطيني إلى 16,5 جنيه، وانخفض دخل المزارع المستأجر الصافي من 100 دونم من 20 جنيهاً فلسطينياً إلى 9 جنيهات تقريباً، بينما ارتفعت نسبة ضريبة العشر والأغنام من 19% إلى 32% (85)، وانخفضت أسعار المحاصيل الزراعية إلى نصف قيمتها تقريباً نظراً لإغراق الأسواق المحلية بالمحاصيل الأجنبية حتى أصبحت تلك الأسواق "مكتظة بالمحصولات ولذا لم يعد في وسع المزارع أن يبيع الزائد من محصوله" (86) .
    بالإضافة إلى ذلك لم تقم حكومة الانتداب بالعمل على تنفيذ توصيات لويس فرنش مدير التنمية في فلسطين بشأن مشروع التنمية والتحسين الزراعي، وإصدار قانون لتقييد انتقال الأراضي من العرب إلى اليهود للحيلولة دون زيادة العرب الذين بلا أرض (87)، كما لم تأخذ بتوصيات الخبير الاقتصادي ستركلاند بشأن الطرق الواجب اتباعها لإنشاء جمعيات تعاونية للتسليف في القرى العربية لتقديم القروض للفلاحين بفوائد قليلة (88)، وإنشاء بنك تعاوني مركزي إلى جانب تلك الجمعيات لقبول الودائع المالية من الناس والقروض من الحكومة أو البنوك التجارية، إضافة إلى تقديم القروض للجمعيات الابتدائية (89)، وبالتالي فقد أدت هذه السياسة إلى تردي الأوضاع الاقتصادية للفلاحين الفلسطينيين وارتفاع نسبة العاطلين عن العمل .
    كان رد عرب فلسطين على تلك السياسة التي اتبعتها الحكومة إعلان الإضراب عام 1936 والذي سرعان ما تحول إلى ثورة علنية مسلحة شاركت فيها جميع فئات وطبقات المجتمع الفلسطيني جنباً إلى جنب بقيادة اللجنة العربية العليا، وقد امتدت هذه الثورة لتشمل جميع أنحاء فلسطين .
    ولامتصاص نقمة العرب أعلنت الحكومة عن تشكيل لجنة ملكية للتثبت من الأسباب الأساسية للاضطرابات التي نشبت في فلسطين والتحقيق في كيفية تنفيذ صك الانتداب على فلسطين بالنسبة إلى التزاماتها نحو العرب ونحو اليهود والتثبت بعد تفسير نصوص الانتداب تفسيراً صحيحاً مما إذا كان لدى العرب أو لدى اليهود أية ظلامات مشروعة ناجمة عن الطريقة التي اتبعت فيما مضى أو التي تتبع الآن في تنفيذ صك الانتداب وأن تقوم تلك اللجنة لدى اقتناعها باستناد أية ظلامة من هذه الظلامات إلى أساس صحيح برفع التواصي لإزالة تلك الظلامات ومنع تكرارها (90).
    وفور وصول اللجنة الملكية "لجنة بيل" إلى فلسطين في 11 تشرين الثاني 1936 أعلنت اللجنة العربية العليا عن مقاطعة اللجنة الملكية من منطق عدم ثقتها بلجان التحقيق، واقترحت كبديل لذلك تشكيل لجنة دولية بدلاً من اللجنة الملكية لتقصي الحقائق (91) غير أن اللجنة العربية العليا تراجعت عن هذا القرار نتيجة للوساطة العربية التي قام بها الملك عبدالعزيز ابن سعود والملك غازي اللذان وجهاً نداءاً لعرب فلسطين جاء فيه ((لقد تألمنا كثيراً للحالة السائدة في فلسطين، فنحن بالاتفاق مع إخواننا وملوك العرب والأمير عبدالله ندعوكم للإخلاد للسكينة حقناً للدماء معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل وثقوا بأننا سنواصل السعي في سبيل مساعدتكم)) (93) .
    وفي 7 تموز 1937 أصدرت لجنة بيل تقريرها، حيث تضمن تقسيم فلسطين إلى ثلاثة مناطق منطقة يهودية وتشمل على القسم الأعظم من السواحل العربية وتمتد حتى تستغرق جميع حدود فلسطين من الناحية الشمالية، ومنطقة عربية وتشتمل على مناطق غزة وبئر السبع وصحراء النقب والخليل ونابلس وأجزاء من مناطق طولكرم وجنين وبيسان ويافا وتضم إلى شرق الأردن، أما المنطقة الثالثة فكانت منطقة انتدابية وتضم القدس وبيت لحم وتمتد من "نقطة شمال القدس إلى نقطة جنوب بيت لحم" ويكون لها من القدس إلى يافا مشتملاً على اللد والرملة. وذكرت اللجنة أن تقسيم فلسطين يجب أن يخضع لشرط أساسي وهو "المحافظة على قداسة مدينتي القدس وبيت لحم وتأمين الوصول إليهما بحرية واطمئنان لمن شاء من كافة أنحاء العالم"، واقترحت أن يضم إلى هذه المنطقة مدينة الناصرة وبحيرة طبريا ويعهد للدولة المنتدبة إدارة الناصرة وتخول السلطة التامة للحفاظ على قداسة مياه بحيرة طبريا وشواطئها، وارتأت بأن لا ينتهي الانتداب في الأماكن المقدسة إلا إذا رغبت في ذلك عصبة الأمم والولايات المتحدة، كما يجب أن تضمن الحقوق المكتسبة في الأماكن المقدسة وطرق الوصول إليها وحق نقل البضائع عن طريق الترانسيت وعدم التحيز في الأمور المالية والاقتصادية. وذكرت أن هذه المنطقة لا يسري عليها وعد بلفور، ويعامل كافة سكانها بمساواة تامة وتكون اللغة الإنجليزية اللغة الرسمية فيها، كما يكون المبدأ الأساسي الذي تسير عليه الإدارة المنتدبة إقامة حكم عادل بغض النظر عن المصالح الطائفية (93) .
    وهكذا فقد أصبحت فلسطين بموجب مشروع بيل مقطعة الأوصال، وسمح بإقامة الدولة اليهودية على الأرض العربية، كما نزع الإشراف على والمسؤولية العربية والإسلامية عن مدينة القدس والأماكن المقدسة، وأنيطت بحكومة الانتداب، علماً أن اللجنة اعترفت بالمكانة العلمية والدينية للمدينة المقدسة عندما أشارت إلى جهود العرب المسلمين بإعادة بناء القدس وإقامة جامعة فيها أصبحت مركزاً محلياً لطلاب العلوم العربية، وأشادت أيضاً بالآثار العمرانية للعرب المسلمين في المدينة وبشكل خاص قبة الصخرة التي تعتبر "الأثر الفني الرائع الوحيد الذي ظل قائماً في فلسطين من عهد أيام استقلال العرب". وذكرت اللجنة أن مدينة القدس مدينة مقدسة للمسلمين لوجود الحرم الشريف فيها والذي يضاهي مكة والمدينة باعتباره أحد المقامات المقدسة عند المسلمين كما أن المسلمين اتخذوا القدس قبلة لهم في صلاتهم قبل أن يولوا وجوههم شطر مكة والمدينة" (94) .
    ولذلك فقد كان من الطبيعي أن ترفض الحركة الوطنية الفلسطينية ممثلة باللجنة العربية العليا قرار اللجنة الملكية ففي 23 تموز 1937 أصدرت اللجنة العربية العليا مذكرة للرد على تواصي اللجنة الملكية وبيان الحكومة البريطانية، بينت فيها رفضها القاطع لمشروع التقسيم لأنه "أبعد من أن يكون وسيلة صالحة لتوطيد السلام وإقرار الطمأنينة العامة في هذه البلاد"(95). ووضحت اللجنة العربية العليا انتقادها للتقرير فيما يتعلق بكل منطقة من المناطق الثلاث بما في ذلك منطقة الانتداب التي تشتمل على القدس وبيت لحم والناصرة ورواق ممتد من القدس إلى يافا حيث أشارت إلى أن هذه المنطقة ستحول فيما بعد دون بلوغ الوحدة العربية كما ((أن القرى العديدة في قضاء القدس ستفصل عن المدينة ويكون نصيبها العزلة التامة تقريباً فتخسر هذه القرى الروابط الحيوية المختلفة التي تربطها بالقدس من اقتصادية واجتماعية وإدارية)) (96)، وأضافت اللجنة العربية العليا أنه ((ولما كانت القدس متحكمة بموقعها في طرق المواصلات في البلاد فمخاوفنا من اقتراح اللجنة الملكية في صدد هذه المنطقة مخاوف بالغة ولا ريب لأن هذا الرواق يشطر المنطقة العربية شطرين فاصلاً جنوبها عن شرقها وشمالها ثم تبقى القدس وقد فارقها مقامها الطبيعي الأول في البلاد .. فتستولي عليها المصالح اليهودية والنفوذ اليهودي استيلاءً سريعاً (97)، وأبدت اللجنة تشككها في أن منطقة الانتداب لا ينطبق عليها وعد بلفور وذلك لأن اليهود سيتخذون من الزيارة الدينية باب هجرة إلى منطقة الانتداب وخاصة إلى مدينة القدس الأمر الذي يؤدي فيما بعد إلى أن "يعظم شأن اليهود لكثرتهم ونفوذ كلمتهم ويحقر شأن العرب حتى يأتي يوم يكون اليهود قد ابتلعوا العرب وتكون الأماكن المقدسة قد خرجت من أيديهم خروجاً نهائياً" (98) .
    غير أن الحكومة البريطانية حاولت تمرير سياستها الرامية إلى التقسيم بالرغم من معارضة العرب واستمرار غليان الثورة الفلسطينية بعد صدور قرار اللجنة الملكية، وتمثلت تلك السياسة بإرسال لجنة وودهيد الفنية عام 1938 حيث كان من ضمن توصيات اللجنة الملكية تعيين خبراء فنيين لرسم الحدود التفصيلية للتقسيم .
    وبناء على ذلك شكل وزير المستعمرات أورمسبي غور لجنة فنية برئاسة السير جو وودهيد والذي أصبحت اللجنة تعرف باسمه (99)، وقد حددت مهام اللجنة كما جاء في الكتاب الأبيض رقم 5634 بتاريخ 4 كانون الثاني عام 1938 بما يلي:
    التوصية بحدود فاصلة بين المنطقتين العربية واليهودية المقترحتين وحدود المناطق الخاصة الواجب الاحتفاظ بها بصورة دائمة أو مؤقتة تحت الانتداب البريطاني على أن يكون من شأن تلك الحدود :
    - أن تنطوي على أمل معقول في أن تنشأ في النهاية دولة عربية ودولة يهودية تستطيع كل منهما أن تسد نفقاتها بذاتها مع توفر أسباب الطمأنينة الوافية .
    أن لا تستوجب إلا إدخال أقل عدد ممكن من العرب والمشاريع العربية في المنطقة اليهودية والعكس بالعكس .
    (ج) أن تمكن الحكومة البريطانية من تحمل تبعات الانتداب التي أوصت اللجنة الملكية في تقريرها بوجوب اضطلاعها بها، بما في ذلك الالتزامات التي تفرضها المادة 28 من صك الانتداب فيما يتعلق بالأماكن المقدسة(100).
    (د) البحث في المسائل الاقتصادية والمالية التي ينطوي عليها التقسيم مما يترتب اتخاذ قرارات بشأنها وأن تقدم تقريراً بذلك (101) .
    وفور وصول اللجنة إلى القدس في 27 نيسان 1938 نشرت بلاغاً أعلنت فيه ((أن الأشخاص الذين يودون الحضور أمامنا يملكون مطلق الحرية في أداء شهادتهم بصورة علنية أو سرية أو الإدلاء ببعضها بصورة سرية وبالبعض الآخر بصورة علنية)). غير أنها لم تتسلم إلا طلبين فقط بين فيهما مقدماهما عن رغبتهما في أداء الشهادة أمام اللجنة بصورة علنية وعقدت اللجنة في مدينة القدس خمساً وخمسين جلسة لسماع الشهادات التي كانت جميعها سرية باستثناء جلستين كانتا علنيتين ولم يتقدم أي شاهد عربي لتأدية الشهادة أمام اللجنة (102)، وذلك التزاماً بموقف اللجنة العربية العليا التي اعتبرت أن هدف اللجنة هو تقسيم فلسطين وهي فكرة مرفوضة عند العرب لأنها تضر بالوطن العربي والحياة العربية ولذلك قررت مقاطعة لجنة وودهيد وعدم الاتصال بها ودعت كل العرب في فلسطين وخارجها إلى تنفيذ ذلك(103)، أما بالنسبة لليهود فقد فشل وايزمان وأنصاره في حصر الشهود باليهود المؤيدين للتقسيم، فتقدم للشهادة يهود متطرفون طالبوا بدولة يهودية في جميع فلسطين وبعضهم طالب بدولة تضم فلسطين وشرق الأردن بينما طالب وايزمان وأنصاره بتوسيع مساحة الدولة اليهودية، وذلك بإدخال صحراء النقب والأحياء اليهودية في مدينة القدس وسهول بيسان(104) .
    غادرت اللجنة فلسطين في 3 آب 1938 عن طريق حيفا وتريستا حتى وصلت إلى لندن حيث استأنفت جلساتها هناك في 15 آب، وفي 9 تشرين الثاني 1938 وضعت تقريرها حول مسألة تقسيم فلسطين مرفقاً ببيان الخطة السياسية الجديدة للحكومة البريطانية وفي هذا التقرير قدمت اللجنة ثلاثة مشاريع للتقسيم، المشروع الأول وأشير إليه بالحرف (أ) (105)، ويكاد يكون نفس مشروع لجنة بيل الملكية مع حدود أكثر دقة ومراعاة لشؤون الدفاع، غير أن اللجنة رفضت هذا المشروع نظراً لسوء توزيع السكان والأرض في كل من الدولتين، ووجدت أن عدد العرب في منطقتي القدس والناصرة اللتين اعتبرتا مناطق انتدابية كان 221,400 نسمة في حين كان عدد اليهود 80,200 نسمة، كما أن ملكية العرب في هاتين المنطقتين أكثر من ملكية اليهود بسبعة عشر ضعفاً (106)، كما رفضت اللجنة المطالب اليهودية بضم جزء من مدينة القدس إلى الدولة اليهودية وذلك بسبب رفض المسلمين إقامة دولة يهودية جوار مدينة القدس (107) .
    حاولت اللجنة إدخال بعض التعديلات على مشروع (أ) حيث استثنيت المنطقة الواقعة في أقصى جنوب الدولة اليهودية من الدولة اليهودية وإدخالها في الدولة العربية، وإدخال الجليل في المنطقة الانتدابية على أن تدخل حيفا وميناؤها في الدولة اليهودية وتم تصنيف المشروع المعدّل على أنه مشروع (ب) (108)، غير أن هذا المشروع لم يحظ إلا بقبول عضو واحد من أعضاء اللجنة، وقد جاء رفض هذا المشروع نظراً لوجود عدد كبير من العرب يمتلكون مساحات واسعة من الأراضي في الدولة اليهودية وبالتالي فإن ((أي مشروع للتقسيم يقضي بوضع عدد كبير من العرب تحت سيطرة اليهود في منطقة ليس لليهود فيها أكثرية سيقاومه العرب بقوة ولن يؤدي إلى السلام)) (109) .
    بعد ذلك قررت اللجنة وضع مشروع جديد أشير له بحرف (ج) وقد حظي هذا المشروع بموافقة عضوين أحدهما رئيس اللجنة فاعتبرته اللجنة أفضل مشروع للتقسيم وبموجبه قسمت فلسطين إلى أربعة أقسام هي:
    الدولة العربية وتشتمل على معظم المناطق الداخلية بالإضافة إلى الساحل ما بين غزة ويافا .
    الدولة اليهودية وتشتمل على الساحل من شمال يافا إلى جنوب حيفا ميناؤها تل أبيب .
    المنطقة الانتدابية وتشتمل على شمال فلسطين (الجليل، وجبل الكرمل، وحيفا على سفحه) وجنوب فلسطين (النقب حتى حدود مصر) بالإضافة إلى القدس وبيت لحم (110) .
    غير أن اللجنة أشارت إلى أن فلسطين بلاد صغيرة ولا تصلح للتقسيم، وبالتالي فإن أياً من المشاريع الثلاث السابقة لن يكون عملياً لما سيواجهه من صعوبات اقتصادية وسياسية وجغرافية وسكانية، ولذلك أصدرت الحكومة البريطانية بياناً في 9 تشرين الثاني 1938 عدلت فيه عن فكرة التقسيم (111) .
    وقد جاء فيه ((وقد قر رأي جلالته بعد إمعان النظر والتدقيق في تقرير لجنة التقسيم أن هذا التحقيق الإضافي قد أظهر من الصعاب السياسية والإدارية والمالية التي ينطوي عليها الاقتراح القائل بإنشاء دولة عربية مستقلة وأخرى يهودية مستقلة هي عظيمة لدرجة يكون معها هذا الحل للمعضلة غير عملي، ولذلك فإن حكومة جلالته ستواصل الاضطلاع بمسؤولياتها في حكم فلسطين بأجمعها)) (112) .
    كما أشار البيان إلى أن الحكومة ستعمل جاهدة من أجل الوصول إلى تفاهم بين العرب واليهود الذي يعتبر من ((أثبت الأسس لإقامة دعائم السلام والتقدم في فلسطين. ولتحقيق هذا الهدف فإن الحكومة تنوي توجيه الدعوة إلى ممثلين عن العرب والوكالة اليهودية للاجتماع في لندن لبحث السياسة المقبلة بما فيها مسألة الهجرة إلى فلسطين، إلا أن الحكومة أشارت إلى حقها في رفض الزعماء الفلسطينيين الذي تعتبرهم "مسؤولين عن حملة الاغتيال والعنف" (113) .
    وهكذا عدلت الحكومة البريطانية عن مشروع التقسيم وهذا ما كان يريده العرب الأمر الذي أدى إلى استمرار الثورة الفلسطينية ونشاط الثوار العرب، وازداد التضامن العربي الإسلامي الذي تمخض عن عقد المؤتمر البرلماني العالمي للبلاد العربية والإسلامية مما جعل الحكومة البريطانية تتحرك في إطار دبلوماسي جديد، ففي صيف عام1938 تقدم الكولونيل نيوكمب عضو مجلس العموم البريطاني بمشروع جديد عرف باسمه جاء فيه:
    لكل فلسطيني حق سياسي ومدني في الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة دون تفرقة في الجنس والدين .
    تحدد الفترة الانتقالية التي يسمح فيها للعرب واليهود بالاشتراك التدريجي في الحكم بحوالي عشر سنوات .
    تعطى للطوائف صلاحيات رعاية الأمور الطائفية .
    تتوقف الهجرة اليهودية وذلك بأن يعتبر العدد الأكبر للسكان اليهود عددهم الحالي .
    يكون للبلديات في المدن والقرى العربية واليهودية لا مركزية واسعة تمكنها من السيطرة على التعليم والأمور الشخصية والمدنية والإدارية المحلية .
    تضمن الحكومة البريطانية مصالح الطوائف المختلفة في بنود واضحة في دستور الدولة المقبلة .








    ^^




    ^^

صفحة 1 من 5 123 ... الأخيرةالأخيرة

المفضلات

المفضلات

دسـتـور الـمـشــاركـة

  • ما بتئدر تكتب مواضيع جديدة
  • ما بتئدر ترد على المواضيع
  • ما بتئدر ترفق ملفات
  • ما بتئدر تعدل مشاركاتك
  •