قصة قصيرة
إنهارت دموع وردة الصعبة وبكت بصوت مسموع، وكذا فعلت أُمها وصغيرنا تمام، اما منيرة - إبنتي الثانية - فانسلت إلى غرفتها. فهي أقوى من أن تبكي أمام الآخرين.
لقد رحل بنبون.
بنبون هو اسم التحبب للأرنب المدلل الذي اشتراه إبني أدهم من معرض المدرسة ولم يكن قد أكمل أسابيع من عمره، والذي اتخذه جميع من في البيت صديقاً محبوباً مدللاً؛ يُشترى له الطعام الخاص، ونثار القفص الوثير، وهو من يجلس في حضن الجميع كما الطفل البكر الرضيع في حضن جدته.
الإشكاليةُ - عندي - هي أنني نشأت وكبُرت والأرنب في نظري ليس إلا مصدر غذاء، كانت تتم تربيته في مزرعة البيت بأعدادٍ كبيرة ليطهى مع لحمها الغض ألذ الطبخات. وكانت أمي تختارني من دون إخوتي لمهمة الذبح - ذبح الأرانب - وذلك لثبات يدي، وانعدام فزعي عندما يبدأ الأرنب الذبيح بالزعيق. ربما كان لذلك علاقة أكثر بكوني من مواليد برج الأسد.
أمضى بنبون مع أسرتي حوالي السنتين لم اقتنع في يوم منها بتواجده القسري بيننا. وقد باءت جميع محاولاتي لاقناعهم بالتخلص منه بالفشل.
ثم جاء الحل، أصيب تمام - إبني ذي الستة أعوام - بحساسية جلدية حادة استدعت زيارة الطبيبة، وكان مما أوصت به الطبيبة ابعاد تمام عن جميع الحيوانات الاليفة ذات الشعر أو الفرو. وهكذا كان وأُخرج بنبون من البيت ليعيش في الحديقة الخلفية للمنزل.
ومع ذلك لم يتوقف تدليل بنبون الزائد والعناية به من قبل الجميع. بل تفاقم الأمر وأصبح بنبون لا يأكل من بقايا الطعام، ولكن يُشترى له طعام خاص. تماماً كالملوك؛ الكل يعتني به ويداريه ويقدم له الخاص من الأطعمة. كما تم أيضاً شراء قفص خاص واسع له وبيت خشبي يقيه حر الشمس، ونثار ناعم خاص لبيته وقفصه. قبلت كل هذا على مضض فلم يكن في حساباتي أن ينظر أطفالي لي على أنني القاسي الكاره للحيوانات الأليفة.
ومضت الأيام على هذا الحال، حتى جاء يومٌ لا بد آتٍ لكل حي. كنت منشغلاً مع حاسوبي، عندما مزّق الصمتَ صوتُ وردة - إبنتي الكبرى والمسؤولة الأولى عن بنبون والمتعهدة لاحتياجاته والحانية عليه والراعية له - تنادي: بنبون لا يتحرك. سارعنا جميعاً لتبيّن الأمر. بالفعل كان بنبون يأخذ آخر انفاسه نزعاً، وما هي إلا دقائق حتى رحل بنبون.
إنهارت دموع وردة الصعبة وبكت بصوت مسموع، وكذا فعلت أُمها وصغيرنا تمام، اما منيرة - إبنتي الثانية - فانسلت إلى غرفتها. فهي أقوى من أن تبكي أمام الآخرين.
صار لزاماً علي أن أقول شيئاً فاخبرتهم كيف كان بنبون محظوظاً أن وضعه قدره في دربهم. فقد أمضى حياته سعيداً محبوباً ورحل بدون معاناة تحت سكين أو بين انياب قط أو ثعلب ، وأنه الآن سيتحلل ويصبح جزءاً من تربته وستتغذى على بقاياه الشجرتان التين سيدفن بينهما، وسيحيا معهما. كانوا جميعاً يبكون أما أنا فقد غالَبْتُ دمعةً وغلبتُها.
تركتهم مع بنبون يبكون، وخرجت للحديقة واخترت المكان المناسب بين شجرتين وحفرت قبراً لبنبون. وشرعت بحفر القبر ومع كل ضربة بالمجرفة كانت تلمع في خاطري صورة أرنب ينتظر دوره تحت سكيني. أكملت حفر القبر بعد أن كُسِر في يدي ذراع المجرفة. ناديت الجميع. فأحضروا بنبون وقمنا بدفنه ووضع بعض أغصان وأوراق الشجر على قبره. عادوا جميعاً للبيت باكين ومشيت ورائهم مغالباً دمعةً - هذه المرة - غلبتني.