ثبوت العدوى شرعًا
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله --- اما بعد
[روي عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال]:«إن كان شيء من الداء يعدي فهو هذا».(موضوع)
وظاهر الحديث ينفي العدوى، وهي ثابتة في أحاديث كثيرة منها حديث «اتقوا المجذوم كما يُتقى الأسد»،
وعَنْ الشريد قَالَ: كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ».
وهذا دليل واضح على أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان يرى أن الجذام مرض معد, ولذلك اتخذ السبب في عدم انتقال المرض إليه من المجذوم, وليس ينافي هذا التوكل على الله تعالى كما أشار عمر رضي الله عنه، وقد عزم على أن لا يدخل الأرض الموبوءة: «نفر من قدر الله, إلى قدر الله» , وقد تأول بعضهم هذا الحديث تأويلاً بعيداً فلا يلتفت إليه فإنما حملهم عليه حديث جابر أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أكل مع مجذوم وقال: «كل بسم الله ثقةً بالله وتوكلاً عليه» وهو حديث ضعيف
ولكن هل حديث «لا عدوى ولا طِيَرة» ينفي العدوى من أساسها؟
و الحديث لا ينفي، ودعنا والأطباء؛ لأن فيما جاء عن الرسول عليه السلام من إثبات العدوى ما يغنينا عن آراء الأطباء، حديث: «لا عدوى»
في الحقيقة إذا فُهِم فهماً صحيحاً دقيقاً فيه نفي عدوى، وفيه إثبات عدوى، والمثبت في الحديث غير المنفي فيه، والمثبت في الحديث يلتقي مع أحاديث أثبتت العدوى، وبالتالي ما يقوله الأطباء في بعض الأمراض المعدية لا ينافي حينذاك الحديث.
بيان ذلك: لما قال الرسول عليه السلام: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر» فهم أحد الحاضرين من الأعراب البدو أن قوله عليه السلام: «لا عدوى» هو نفي للعدوى على الإطلاق، وهذا فهم توارثه بعض أهل العلم، فنفوا العدوى إطلاقاً بناء على الطرف الأولى من الحديث، لكننا إذا تابعنا رواية الحديث ووجدنا ذلك الرجل البدوي الأعرابي فهم نفس الفهم: «لا عدوى» أي: مطلقاً، بناء على هذا الفهم ورد عليه إشكال، فطرحه على الرسول عليه السلام فجاءه الجواب بما يثبت العدوى، ذلك الرجل قال: «يا رسول الله! إنا نرى الجمل الأجرب يدخل بين الجمال السليمة فيعديها» ما قال له الرسول عليه السلام:
هذا خطأ، وهذا وهم، وهذا من عقائد الجاهلية، لكنه قال مقراً له وملفتاً نظره إلى ما يسمى ببعض التعابير إلى مسبب الأسباب وهو الله عز وجل، قال له: «فمن أعدى الأول؟» إذاً: هنا عدوى، لكن يا أعرابي يا بدوي ارجع إلى الوراء، هذا الجمل الذي رأيته دخل في الأول الذي خلق الله فيه العدوى.

فإذاً: فالرسول عليه السلام الحقيقة بهذا الحديث يبطل عادة الجاهلية ويبطل أيضاً عدوى الطبية في هذا الزمان؛ لأن الأطباء خاصة الكفار منهم حينما يثبتون العدوى لا يربطونها بإرادة الله ومشيئته، لا، يعني هم يجعلون الأسباب هي كل شيء، أما أن هذه الأسباب قد تتخلف وقد تتأخر بمشيئة الله عز وجل خالق الأسباب والمسببات، فهذا ما لا يفكرون فيه.
إذاً: الأطباء اليوم خاصة الكفار منهم وقعوا في نفس الوهم الذي وقع فيه أهل الجاهلية الأولى، من هنا قال عليه السلام لإبطال هذا الوهم: «لا عدوى» فلما عارض هذا النفي ما كان قائماً في ذهن العرب في الجاهلية، وأورد ما يشاهده بعينه، ما قال له الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - أنت واهم أنت مخطئ، لكنه لفت نظره إلى أن هذه العدوى التي تراها هي بخلق الله وتقديره، وليس أن هذا الجمل الحيوان المصاب بداء الجرب مثلاً وبقدرته وبإرادته ومشيئته يعدي الجمال السليمة، لا، ليس الأمر كذلك.
إذاً: فالحديث ينفي عدوى ويثبت عدوى، ينفي عدوى الجاهلية، ويثبت العدوى الشرعية.
من هنا جاءت أحاديث تؤكد هذا المعنى الثاني، أي: هناك عدوى يعني بإرادة الله ومشيئته، وذلك لا ينافي أن يتحاشاها المسلم أخذاً بالأسباب كما جاء في
صحيح مسلم أن رجلاً مجذوماً جاء ليبايع الرسول عليه السلام، فقال له: «ارجع فإنا قد بايعناك» وأبى أن يصافحه كما كان يصافح الناس الآخرين، هذا من باب الأخذ بالأسباب، لكن العدوى هي من مشيئة الله.

معنى قوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «لا عدوى .. ولا هامة»
عن أَبُى سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ حِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «لاَ عَدْوَى وَلاَ صَفَرَ وَلاَ هَامَةَ».فَقَالَ أَعْرَابِىٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُ الإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَجِىءُ الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيُجْرِبُهَا كُلَّهَا، قَالَ: «فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ».

[هامة] بالتخفيف: دابة تخرج من رأس القتيل أو تولد من دمه, فلا تزال تصيح حتى يؤخذ بثأره, كذا زعمه العرب فكذبهم الشرع.
[وقوله: لا عدوى] أي بطبعها, كما يدل عليه سياق الحديث, فلا ينفي عدوى بإرادة الله تعالى وتقديره, فإنها ثابتة شرعاً وقدراً,
نفي العدوى التي كان يعتقدها أهل الجاهلية
[قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -]:" لا يورد الممرض على المصح " ...
وفي معناه قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - للمجذوم: «إنا قد بايعناك فارجع» "الممرض": هو الذي له إبل مرضى و" المصح "، من له إبل صحاح.
واعلم أنه لا تعارض بين هذين الحديثين وبين أحاديث " لا عدوى ... " لأن المقصود بهما إثبات العدوى وأنها تنتقل بإذن الله تعالى من المريض إلى السليم والمراد بتلك الأحاديث نفي العدوى التي كان أهل الجاهلية يعتقدونها، وهي انتقالها بنفسها دون النظر إلى مشيئة الله
وجملة القول: أن الحديثين يثبتان العدوى وهي ثابتة تجربةً ومشاهدةً.
والأحاديث الأخرى لا تنفيها وإنما تنفي عدوى مقرونة بالغفلة عن الله تعالى الخالق لها. وما أشبه اليوم بالبارحة، فإن الأطباء الأوربيين في أشد الغفلة عنه تعالى لشركهم وضلالهم وإيمانهم بالعدوى على الطريقة الجاهلية، فلهؤلاء يقال:" فمن أعدى الأول؟ " فأما المؤمن الغافل عن الأخذ بالأسباب، فهو يذكر بها، ويقال له كما في حديث الترجمة " لا يورد الممرض على المصح " أخذاً بالأسباب التي خلقها الله تعالى، وكما في بعض الأحاديث المتقدمة: " وفر من المجذوم فرارك من الأسد ".هذا هو الذي يظهر من الجمع بين هذه الأخبار

لا طيرة ولا شؤم ولا هامة في الإسلام
[قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -]:«إن يك من الشؤم شيء حق ففي المرأة والفرس والدار».
والحديث يعطي بمفهومه أن لا شؤم في شيء، لأن معناه: لو كان الشؤم ثابتاً في شيء ما، لكان في هذه الثلاثة، لكنه ليس ثابتا في شيء أصلاً.
وعليه فما في بعض الروايات بلفظ " الشؤم في ثلاثة ".أو " إنما الشؤم في ثلاثة " فهو اختصار، وتصرف من بعض الرواة فإنه لا شؤم في الإسلام. والله أعلم.

[روي عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال]:«إن لكل يومٍ نحساً؛ فادفعوا نحسً ذلك اليوم بالصدقة».(منكر)
ويشتم منه رائحة التشاؤم والتطير، ولا شيء من ذلك في الإسلام- كما هو معلوم-، ونحوه حديث: " آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر ".وهو موضوع-
ذكر الهامة
[قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -]:«لا شيء في الهام، والعين حق، وأصدق الطير الفأل».
اعلم أن (هام) هو جمع (هامة)، قال ابن الأثير في " النهاية ": " الهامة: الرأس، واسم طائر، وهو المراد في الحديث، وذلك أنهم كانوا يتشاءمون بها، وهي من طير الليل، وقيل: هي البومة، وقيل: كانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة، فتقول: اسقوني، فإذا أدرك بثأره طارت .. ".

عدم المؤاخذة بما قد يجده المرء في قلبه من التطير
عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «الطيرة شرك وما منا إلا .. ولكن يذهبه الله بالتوكل».
لفظه «شرك» : المراد بها شرك الجاهلية؛ فإنها كانت تصدهم عن حاجاتهم, وهذا ليس مراداً من قوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «وما منا إلا ... » , وإنما قد يجده الشخص في نفسه, ثم يصرفه بالتوكل على الله, فهذا التوكل مما كلف به العبد بخلاف ما يجده فإنه لا يملكه, وهذا صريح في حديث معاوية بن الحكم السلمي؛ أنه قال للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ومنا رجال يتطيرون؟
قال: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم؛ فلا يصدنهم» رواه مسلم
فلم ينكر عليهم ما يجدون من الطيرة, فضلاً أن يصفه بالشرك, وقد صح عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: «من ردته الطيرة فقد قارف الشرك» , «صححة الالبانى»

منع التسمي بيسار لأنه مفضاة للتطير
«لأنهين أن يُسمَّى بنافع وبركة ويسار»، [فإذا سألت] هل هنا يسار؟ يعني كما لو قلت هل هنا يسر؟ تقول: لا، هذا مدعاة للتطير وليس تزكية.

معنى قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: لا صفر
قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «لا عدوى ولا هامة ولا صفر».رواه البخاري
«ولا صفر» في كتابه «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» ما يلي: «روى أبو عبيدة في غريب الحديث عن رؤبة أنه قال: هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس, وهي أعدى من الجرب عن العرب, وعلى هذا فالمراد بنفيه ما كانوا يعتقدونه من العدوى.
وممن قال بهذا سفيان بن عينة, والإمام أحمد, والبخاري, , وقال آخرون: المراد به شهر صفر, والنفي لِمَا كان أهل الجاهلية يفعلونه في النسيء، وكانوا يحلّون المحرم، ويحرمون صفر مكانه، وهو قول مالك.: إن أهل الجاهلية يتشاءمون بصفر ويقولون: إنه شهر مشؤوم, فأبطل النبي صلى اله عليه وسلم ذلك.: ولعل هذا القول أشبه الأقوال»
والحمد لله رب العالمين